ابن الجوزي
329
القصاص والمذكرين
قال ابن عقيل : أخذ بعض الوعّاظ الأعاجم يقول « 1 » : يا موسى ! من تريد ؟ قال : أخي هارون . يا محمّد ! من تريد ؟ قال : عمّي وأمّي . يا نوح ! من تريد ؟ قال : ابني . يا يعقوب ! من تريد ؟ قال : يوسف . ثمّ قال : كلّكم يريد منّي ؟ أين من يريدني ؟ ثمّ احتدّ وصكّ الكرسّي صكة وقال : يا قارىء ! اقرأ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ * « 2 » فقرأ القارئ وضجّ المجلس وصعق « 3 » قوم ، وخرقت ثياب قوم بشعبذة « 4 » ذاك . فاعتقد قوم أنّ ما ذكره لباب الحقّ وعين العلم . فحكي ذاك المجلس لحنبليّ ، يعني ابن عقيل نفسه ، فأخذه من ذلك ما يأخذ العلماء من الغيرة على اللّه عزّ وجلّ من كلام الجهّال به . فاحتدّ وقال : سبحان اللّه ! وما الذي بين الطين والماء ، وبين خالق السماء من المناسبة حتّى يكون بينه وبين خلقه إرادة له ، لا إرادة منه ؟ يا متوهّمة « 5 » الأشكال / في النفوس ! يا مصورين الباريء بصورة تثبت في القلوب ! ما ذاك اللّه . ذاك صنم شكّله الطبع والشيطان ، والتوهّم للمحال . فعبدتموه ، ليس للّه سبحانه وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه النفوس . بل مباينة الالهيّة للحدثيّة أوجبت في النفوس هيبة وحشمة . إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم ، وإنّما صوّر أقوام صورة تجدّد لهم بها أنس . فأقلقهم الشوق إليها فنالهم ما ينال الهائم في العشق . وهذه الهواجس الرديّة يجب محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام « 6 » .
--> ( 1 ) أي يقول الواعظ : يقول اللّه . كما في « الأسرار » ص 88 وهذا الكلام في غاية الكفر والضلال والتطاول على اللّه ورسله . ( 2 ) سورة الأنعام : 52 ، والكهف : 28 ( 3 ) صعق قوم : أي غشي عليهم ( 4 ) الشعبذة : الشعوذة . ( 5 ) في « تحذير الخواص » : يا متوهمين . ( 6 ) انظر هذا الخبر في « تحذير الخواص » 209 - 211 و « الأسرار المرفوعة » 88 .